مقالات

التعصب والطائفية يغيّبان التراث العربي ويعاديان الفن المعاصر

السيد شبل

التعصب والطائفية يغيّبان التراث العربي ويعاديان الفن المعاصر

 

بقلم: السيد شبل

العقلية السلفية الدينية معادية لعموم التراث، أي عكس الفكرة الشائعة، فهي عندما تنظر للماضي تنتقي ما يناسب مزاجها السوداوي وعقليتها الظلامية ونهجها الطائفي، وهي حتمًا متآمرة وغير أمينة، والسبب أنها تقيّم الناس من ثقب ما تراه صحيح “العقيدة” ، أي ليس على أساس نفعهم العام. كما تعرض سيرتهم مسبوقة بالغرض في المدح أو الذم، وهذا يدفعها للتلفيق والفبركة والقص واللصق.

وتثتب التجربة أن النهج الطائفي والمتشدد لجماعات الإسلام السياسي قد دفعها على الأغلب لتهميش ومعاداة العديد من روّاد الحضارة العربية ما بعد ظهور الإسلام، فهذه الجماعات تقوم بإخضاع علماء وفلاسفة مثل (ابن سينا والخورازمي والفارابي وابن رشد وابن حيان والكندي) لمعاييرها الدينية والمذهبية، وتستخدم أراء هؤلاء المفكرين في الدين بابًا إلى إدانتهم وتفسيقهم وربما تفكيرهم، بما ينتهي لتلطيخ سمعتهم وصرف الناس عنهم.

وتعبّر تلك النظرة السلبية تجاه التراث العربي الزاخر والمتنوع عن نفسها بجلاء في موقع مثل: إسلام ويب التابع لوزارة الأوقاف القطرية، الذي يمتليء بهذا النوع من الأحكام المستندة إلى فتاوي ابن تيمية وابن القيم.. الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل: ما الذي يبقى في التركة الحضارية عندما، وعلى سبيل المثال، تُسفّه من إخوان الصفا، وتدين أبي العلاء المعري، وتُهمّش أفكار المعتزلة، وتعادي الحلاج، وتُشيطن أبي الفرج الأصفهاني، وتغتال سيرة أبرز العلماء كما تقدم؟!.

إن السلفية المعاصرة، في جوهرها، حركة تخاصم التراث وتكرهه، لأنها تنفي معظمه، وتختار منه خطّا معينًا يمتد من ابن حنبل وينتهي بابن عبد الوهاب، وتعتبر الصلاح حكرا على هذا السبيل، ولأنها تحت شعارات “التقوى والفضيلة” قد تدين عادات أجدادانا في أفراحهم التي كانت تشهد رقصًا مختلطًا وأغاني زاخرة بعبارات ذات دلالات جنسية جريئة بحكم اليوم، ناهينا عن جريمة القوى السلفية الأكبر المتمثلة في الدعوة إلى هدم الآثار سواء أكانت تنتمي إلى حضارات قديمة أو ذات طابع ديني، لو إسلامي، كما حدث من تفجير للأضرحة.

إن الأمر في غاية البساطة، ويتمثل في المعادلة الآتية: لا يمكن لشخص متعصب يُحرّم الموسيقى والغناء والرسم اليوم أن يحتفي بموسيقيين أمثال إسحاق الموصلي وزرياب في القرنين ال ٨ وال9 ميلادي، أو رسّامين مثل يحيى الواسطي في القرن ال ١٣ ميلادي، بل هو سيعمل على طمس تلك الأسماء، وتشويه سيرتها، وبهذا يخسر التراث العربي زخمه، بما ينتهي لخدمة أي طرف خارجي يحاول إدانة العرب أو تصويرهم بأنهم متعصبون ومعادون للعلم والفلسفة والفن والتنوع على مر تاريخهم.

من الزاوية ذاتها لا بد أن تلحظ تحريض أصحاب الأفكار الرجعية المتشددة على الفنانين المعاصرين، واستخدامهم الدين أيضًا لهذا الغرض، باعتباره سلعة رائجة، وهنا يجب التأكيد على أن الشخصيات ذات الفكر المنغلق بطبيعة تكوينها تعادي الحياة وتركز على الموت، لذا فهي تكره البهجة والبسمة وتميل إلى الكآبة، وهذا هو ما يدفعها نحو العداء للفن.

والواقع يشهد بأن قطاع من الجمهور وبسبب هذا التحريض يعيش حالة عجيبة من التناقض، فهو من جهة وبحثا عن المتعة أو التسلية أو القيمة يشاهد المسلسلات والأفلام ويرغب في التقاط الصور مع أبطالها أو يشعر بالزهو لو سكن إلى جوارهم، لكنه من جهة مقابلة يحمل مشاعر ازدراء تجاههم!.

إن الحملة على الفنانين العرب والمصريين مستمرة منذ السبعينات، وتصدّرها بعض المشايخ في مصر مثل عبد الحميد كشك، ونتجت عن تلك الحملة آثار شديدة السلبية على الصعيد القومي، لأن انهيار الإنتاج الفني العربي لن يؤدي إلى توقف المشاهد عن متابعة التلفاز أو الذهاب إلى السينما، غاية ما في الأمر أنه سينتقل لمتابعة الفن الأمريكي، كما شاهدنا جميعا اختراق الدراما التركية للشاشات العربية بالتزامن مع تراجع معدلات ظهور المسلسلات العربية السورية على الشاشات أو الاغتيال المعنوي للدراما المصرية.

ختامًا يجب التأكيد أن النشاط السينمائي والدرامي العربي كما أي نشاط إبداعي فيه الرديء والمتوسط والجيد، وأن إصلاح العيوب يستدعي دور أكبر من الدولة حتى لا يقع أسيرا لأهواء منتجي القطاع الخاص، لكن القوى الرجعية تركّز على الرديء لأنه يكون مدخلها لاغتيال وتلويث سمعة النشاط الفني ككل، لكن في المقابل ماذا قدّم المتعصبون سوى تلوين الدنيا بلون السواد، ونشر الخرافة والكراهية ضد أي إنسان ورث دين أو مذهب مخالف لهم، وتفكيك أي بنية اجتماعية قائمة على المواطنة والحداثة ؟!.

 

كاتب وباحث مصري

 

 

الوسوم

مسار 24

هناك حقيقة وراء الخبر

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. I’ve been browsing on-line greater than three hours lately, but I never discovered any fascinating article like yours. It?¦s lovely price sufficient for me. In my view, if all web owners and bloggers made good content material as you did, the web shall be a lot more useful than ever before.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق