مقالات

الطيب والخشت.. أرضية مشتركة خفية ونقاط منسية

بقلم: أحمد  الحسيني

الطيب والخشت.. أرضية مشتركة خفية ونقاط منسية

بقلم: أحمد  الحسيني

منذ بضعة أيام حدث أمر جلل؛ قلما يحدث في الأوطان المنغلقة الصلبة، أتحدث عن لقاء شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب برئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت، هذا الحدث الذي إن بحثت عنه تجد نتاج البحث – (مشادة كلامية بين الطيب والخشت! الطيب يفحم الخشت!) – وفي الحقيقة لا أراه مشادة بل على العكس، ولا أري الطيب أفحم الخشت.

من رأي مناظرة فرج فودة في تسعينات القرن الماضي مع الثلاثي الغزالي والهضيبي وعمارة، يعرف جيدا أن لقاء الطيب بالخشت كان على درجة عالية من الاحترام، حتى عندما حاول أحد الحضور التغني ببيت شعر قاطعه الدكتور أحمد الطيب واعتذر فورا؛ لذلك أري المناظرة هذه علي قدر عال من الاحترام والانضباط من الحضور أيضا؛ وهذا لأن خصم الخشت يختلف عن خصوم فرج فودة الذين كانوا يستمتعون بضجيج وصيحات مريديهم.

المتابع لدعوات التنويريين يكتشف أن الطيب أقر ضمنا ببعض هذه الدعوات، حتى ولو يبدو كلامه في ظاهره أنه ضد التجديد، فنجد الدكتور الطيب مثلا يقر بأن السياسة تختطف الدين خطفا، ونجده يقر بأن الفتنة الكبري كانت خلاف سياسي بحت وليس ديني!

وهذا نفس ما يقوله المجددون ويتم تكفيرهم، ونجده لا يعترض على أن الصحابة بشر يخطئون، وغيرها من الدلائل التي تجعلني أقر بأن هذا الرجل يملك أرضية مشتركة في بعض الأشياء مع خصومه التنويريين، ولكن كما قال الخشت: ” لا نعلم لماذا الرد على الأشياء المتفق عليها!”.

وايضا أري أن فضيلة الإمام لجأ إلى أسلوب قصف الجبهات -في نقاط عدة- أكثر من استخدامه أسلوب الرد بالحجة المنطقية، فنري مثلا الدكتور الطيب يحمل التراث إنجاز وضع المسلمين قدم في الأندلس وقدم في الصين !، ولا أعلم ما علاقة التراث بهذا !، ناهيك عن أن هذا الإنجاز كان سمة عصرهم، فكما كان يوجد العرب كانت هناك الفرس والروم والصليبيون والتتار.

بنفس هذا المنطق إذا نحمل التراث خلافات الصحابة وحربهم لبعض على مدار عقود، ونحمله أيضا تولي حكم المسلمين رجال فسقة أمثال اليزيدين “بن معاوية وبن عبدالملك”، وما حدث من أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور !، هذا بجانب صراعات الدول الإسلامية المتعاقبة، وللعلم هذه الصراعات كانت مبررة من قبل التراثيين وقتها، فعلي سبيل المثال يحدثنا ابن كثير ويقول: رغم ما فعل يزيد بن معاوية ولكن خرج العلماء وقتها بأحاديث نبوية مكذوبة تؤكد أن يزيد مغفور له! هذه واحدة.

أما الثانية، نجد أيضا الدكتور الطيب يخالف القاعدة المعروفة بأن عكس المطلق هو النسبي، ويقول للدكتور الخشت: هذا الكتاب لو مطلق سقط مذهبه ولو كان مشكوك فيه حينما تتأكد منه اهديني إياه! وكأنه بذلك قد أبطل كتابه!

رغم فخامة المؤتمر وصولجانه إلا أني أراه قد أغفل مناقشة أشياء مهمة ولم يعطها قدرها الكافي.

فمثلا لم يتطرق الحديث إلى قرار منع النقاب، ولا اعتقد بأن الدكتور الطيب -الذي صرح مسبقا بأن النقاب ليس من الدين- يخفي عليه أن غالبية الشباب تهاجم الدولة بالسب والتكفير بسبب هذا القرار.

لم يتطرق الحديث إلى ذكر أحاديث وفتاوي بعينها ضد القرآن والعدل، مثل فتوي قتل الجاهر بالنية أو قتل المرتد أو حديث توزيع سيئات المسلمين على النصارى يوم الحشر، أو فتوي أن المسلم لا يمكن أن يقتل بدم غير المسلم، وغيرها من الترهات المنتشرة منذ عقود وللأسف لها مصادر بالتراث (الذي نريد تجديده لا نسفه).

نحن نستغيث بالأزهر الشريف لكي نستعيد الإسلام من شيوخ الوهابية التي ملأت عقول الشباب بأشياء تثير الضحك ولكن لها شعبية طاغية، مثل وجوب أخذ الجزية من الذمي، وضرب المرأة تكريما لها، وتارك الصلاة يقتل! وتهنئة المسيحي حرام، هذا بجانب حملات التكفير وتوزيع البشر علي الجنة والنار، كل هذا ونحن في تمدن ومواطنة وحداثة القرن الواحد والعشرين!

وأود أن أنوه الي نقطتين أشار لهما الدكتور أحمد الطيب في حديثه: أما الأولي هي مدحه –ضمنا- قانون تطوير الأزهر الذي أدخل الكليات العلمية إلي الأزهر، وبسبب هذا القانون اتهم البعض جمال عبد الناصر بأنه يريد تخريب الأزهر!

لولا جمال عبد الناصر “المتهم بالإلحاد” لما استطاع الدكتور الطيب إثبات أن الأزهر يتطلع علي العلوم العلمية، والثانية خاصة بأننا لا نصنع كاوتش السيارة !، وهذا كلام يكذبه التاريخ لأننا في الستينات كنا نصنع السيارة نصر والثلاجة إيديال وحتما الدكتور الطيب عاصر هذا، ويكذبه الحاضر أيضا لأن دولة مثل إيران لها شأن عظيم ليس فقط في صناعة كاوتش السيارات ولكن أيضا لها باع في صناعة الصواريخ ومشاريع السلاح النووي، ولكن كما نعلم بعض من التراث -الذي نريد أن ننتقيه طبقا لمقتضيات العصر- والفكر الوهابي الذي نحاربه يكفران إيران ويعتبراها “ليسوا مسلمين وأخطر علينا من اليهود”.

منذ فترة اتخذ وزير الأوقاف قرار توحيد الخطبة وهذا فوت الفرصة على المغالين في الدين بأن يستمروا في نشر سمومهم في المسجد

، ولكن مازال نشاطهم عظيم في مواقع التواصل الاجتماعي! وهنا دور الأزهر يتعاون مع الدولة لبتر هذا التطرف الفكري من جذوره.

نحن في أمس الحاجة لتنقية التراث وتجديد الخطاب الديني وتطبيق الحديث النبوي: أنتم أعلم بشئون دنياكم، وتطبيق المصطلح التراثي -كما قال الطيب- التجديد، لأن الوضع أصبح لا يحتمل؛ وصل الأمر إلى هجوم البعض على دار الإفتاء بسبب فتواها بتجريم ختان البنات، ووصل الأمر بالبعض إلى توجيه رسالة لدار الإفتاء قائلا: انتوا هتفتوا في الدين كمان!

 

كاتب مصري

 

 

الوسوم

مسار 24

هناك حقيقة وراء الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق