مقالات

روسيا تفرض نفسها على الساحة العالمية.. ليبيا 2020 مثالَا

بقلم؛ السيد شبل

روسيا تفرض نفسها على الساحة العالمية.. ليبيا 2020 مثالَا

بقلم؛ السيد شبل

لا يمكن لدولة بوزن روسيا أن تغيب، ولا شك أن المساحة الجغرافية الواسعة والثقل التاريخي، سيحوّلان دورها الأممي إلى قطعة من الفلين كلما حاولت إغراقها ستطفو من جديد.

تفرض موسكو نفسها الآن بقوة على الملف العربي الليبي، ومؤكد أن نجاحها في سورية قد حفزها على توسيع دورها بدرجة أكبر، ويكفي أن الأصوات الروسية التي عارضت قرار فلاديمير بوتين بالاشتباك بقوة لإفساد مؤامرة هدم سورية تحت دعوى “النأي بالنفس وأنه لا طاقة للبلاد بمواجهة مخطط غربي في الشرق الأوسط” قد توارت الآن، وأثبت بوتين نجاحه.. وهذا سيوفر له التأييد للاستمرار بلعب أدوار أخرى في المنطقة.

في ربيع 2011 عندما اتخذ مجلس الأمن قراره بفرض حظر جوي على الجيش الليبي يمنعه من مواجهة العصابات السلفية المخربة، وهو ما تطور لقصف غربي للبلاد انتهى بسقوطها في دائرة الفوضى والإطاحة بمعمر القذافي ومشاريعه وأفكاره.. كانت روسيا حاضرة لتعبر عن تحفظها، وتمثل ذلك في الإحجام عن التصويت، لكن المعارضة لم تكن بالجذرية المطلوبة، وبالتالي غاب “الفيتو”، ومر القرار، ولا شك أن ثمة عاملين قد منعا عدم رضا موسكو من أن يتبلور بالدرجة المطلوبة، الأول، هو أن القرار جاء على عجل وفي سياق “الهوس بالربيع العربي”، كما أن المشروع كان مدعوم من لبنان التي كانت تمثل العرب وقتها في مجلس الأمن، وذهبت إليه حاملة موقف الجامعة العربية، وهذا إجمالا وضع موسكو في مأزق، أما العامل الثاني، فهو أن ديمتري ميدفيديف كان الرئيس وقتها، وليس فلاديمير بوتين.. وميدفيديف ناقم على جوزيف ستالين (وهنا مفتاح لفهم الشخصية)، وكان يسعى في فترة رئاسته لإيجاد صيغة ما لتبريد الصراع مع الغرب، أما بوتين فالعكس، حيث يرى أن الفترة التي حكم فيها ستالين، من 1923 إلى 1953، ورغم عدم تأييده لـ”القمع”، شهدت أهدافا عملاقة، وفيها تحول الروس من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي، وأن هذا بمثابة نجاح كبير، كما يؤمن بوتين بجدية الصراع مع الغرب لكنه يدير أموره بحكمة.. في السنوات الأخيرة منذ 2015 تسعى موسكو لعلاج الخلل الذي صاحب موقفها في 2011، وتحاول خلق مناخ مواتي لها، وأن تفرض نفسها على هذا الصراع الدائر هذا البلد العربي المتميز من حيث الموقع والثروة.

تحاول روسيا على مستوى السياسية واللغة الدبلوماسية عدم خسارة من الطرفين البارزين المتصارعين في ليبيا (خليفة حفتر وبرلمان طبرق شرقا) ضد (فايز السراج كواجهة إخوانية وسلفية قطبية غربا)، لكنها على المستوى الميداني بالقطع أقرب لحفتر، حيث تنتشر الأخبار عن مجموعة عسكرية روسية خاصة تحمل اسم “فاجنر” قدمت الدعم للجيش الوطني الليبي، ناهيك عن استخدام الفيتو في مجلس الأمن بإبريل 2019 ضد مشروع أمريكي كان يستهدف استصدار بيان يدعو حفتر لوقف عملياته في طرابلس.. لكن لا يجب إغفال أن موسكو أيضًا تفتح قناة واسعة مع أنصار القذافي سواء ممن يصطفون إلى جوار حفتر بهدف استعادة دولة فيها الممكن من المؤسسات الحديثة واطابع المركزي والاستقرار مع تمايز ما في الأداء والأهداف والأعلام (لاحظ العلم الأخضر الذي يتمسك أنصار القذافي بإشهاره في كافة المناسبات)، أو من القذافيين الذين يبقون على رفضهم لكل مخرجات ما بعد الغزو الغربي في 2011.. ومن هنا تعي مدى حنكة بوتني ووزير خارجيته سيرجي لافروف.

كذلك يتذكر الروس المشاريع المتعلقة بالنفط وأعمال البناء والسكك الحديدية التي كانت أبرمت في عهد معمر القذافي تحديدا بعام 2008، بعد أن تبادل بوتين والقذافي الزيارات، حيث طار بوتين كأول رئيس روسي إلى ليبيا في إبريل ثم رد القذافي الزيارة في نوفمبر، ووقتها صدر قرار بشطب ديون على ليبيا كانت مستحقة للاتحاد السوفيتي.

في الواقع فإن روسيا حين دعمت حفتر فإنها كانت تراهن على الفرس الذي أوشك على الانتصار ويمتطي ظهره قائد عسكري يمكن التعامل معه (لأنه ليس عنصر ميليشيا أو متدين متعصب) ومدعوم من القاهرة (التي ليست بعيدة عن موسكو)، وخصومه هم من جماعة الإخوان والسلفيين القطبيين الذين هم خصوم تقليديين وتاريخيين للروس.. وتتبنى موسكو التي عانت ولا تزال من الصراع مع المتشددين في القوقاز وأفغانستان ودول آسيا الوسطى وشرق أوكرانيا، سياسة مُحاربة الإرهاب خارج الحدود، وقبل أن يطالها في عقر دارها.

كذلك لا يجب إغفال أن مجهودات بوتين لا تنقطع في اتجاه محاولة جذب أي طرف أوروبي إلى خارج السياج الذي تشيّده واشنطن، وبالفعل فإن دول جنوب أوروبا المطلة على المتوسط قلقة من ملف الهجرة غير الشرعية التي تنامت مع سقوط الدولة بمؤسساتها في ليبيا. يدرك بوتين أن ثمة خلافات داخل ما نسميه نحن “الغرب”، كما أن لروسيا مصالح اقتصادية مركزية مع أوروبا أهمها تصدير الغاز، ناهيك عن الجوار الجغرافي، لذا فقد كان الانقلاب الملوّن الذي تم تدبيره في أوكرانيا عام 2014، ضربة موفقة للغاية للمخابرات الأمريكية والبريطانية لأنها وضعت قنبلة ملتهبة وسياج حديدي أمام الروس الذين كانوا يطمحون للتمدد غربا إلى قلب أوروبا، لكن بوتين امتص الصدمة ودعم أنصاره في شرق أوكرانيا، وضمّ شبه جزيرة القرم، وها هو اليوم يملك دور مهم في ليبيا ويطل من شواطئها على أوروبا.. في أواسط يناير من العام 2020، سافر بوتين إلى ألمانيا لحضور مؤتمر سلام هناك، وقبلها بأيام قليلة، استضافت بلاده، محادثاتها الخاصة بين قادة الجبهات المتحاربة، ولم تؤد كل تلك المحادثات إلى تحقيق تقدم كبير.. لكنها أبانت عن الجهات الفاعلة في هذا الملف.

كعرب يحزننا جدًا ما جرى لليبيا منذ اعتداء الناتو في 2011، وكيف أنها أصبحت قضية خاضعة للتدويل يعوم فيها النزاع والاحتراب، ولا شك أن ضعف العرب بسبب غياب وحدتهم، سيظل هو العامل الأبرز فيما يجري لنا اليوم من كوارث.

 

كاتب صحافي مصري

 

 

 

الوسوم

مسار 24

هناك حقيقة وراء الخبر

مقالات ذات صلة

‫43 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق