مقالات

جريمة الحي الهادي.. فقر أم استغلال

بقلم: شيماء أحمد

جريمة الحي الهادي.. فقر أم استغلال

بقلم: شيماء أحمد

منذ مشاهدتي كحال أغلب الشعب المصري الذي استفزه تفاصيل فيديو جريمة المعادي التي عرفت اعلاميًا بإسم جريمة الحي الهادي، أشعر بحالة من المشاعر المختلطة تجاه ما حدث،
فأنا المدافعة حتى آخر نفس قد كتبه الله لحياتي عن حقوق المرأة، واناضل من أجل قضاياهن التي هي بالأساس قضيتي أكم من الحملات التي شاركت فيها، وانسقها عن نبذ العنف بكافة أشكاله والذي يعد التحرش بأنواعه هو أسوأ تجسيد، وصورة له،
أعاني تلك الحالة من الارتباك، فقد جائتني عندما شاهدت الفيديو العديد والعديد من المرات حتى تأكدت أن السيدة التي خرجت من معمل التحاليل لإنقاذ الطفلة لم تخرج بدافع الاستغاثة، وإنما خرجت عند رؤية الوضع المشين بالكاميرا التي وضعت تدبيرا من الله
لإنقاذها وفضحه وفضح مجتمع الشارع الذي تنتمي له فئة ليست بقليلة تستطيع أن تزيل الستار عن الأمراض التي يعاني منها مجتمعنا بل وفيروساته المتحورة التي لم ولن تقف عن حد معين بل بالبطيء ستؤدي حتما لإنهيار بنائه العتيق .

قلق، وترقب، خوف، خطوات تتسم بتوخي الحذر،أنفاس متلاحقة تلك المشاعر جميعها تلاقت بين ثنايا أضلع وحش المعادي قبل الإقدام على تنفيذ جريمته،
وهو يتلفت مراقبًا الجميع لا يشغله سوى أين؟ ومتى سيتخلص من نيران شهوته المريضة التي ساقته إلى حافة الهاوية،
هنا يأتي تساؤل: طرح بيني، وبين نفسي- ماحدث بالمعادي جريمة فقر أم استغلال ؟

تحول هذا التساؤل في يومه التالي إلى نزال دفاعًا عن وجهة نظر كل من شاهد بعض مشاهد تلك الواقعة ليدين الفاعل لجريمة التحرش ونقطة، ورأيتها أنا من وجهة نظر شديدة الأهمية ربما لانشغالي المستمر بقضايا الطفولة والمرأة،
أو ربما من منطلق رافض دائمًا لغياب دور الدولة في ضبط القيم المجتمعية والحفاظ عليها من خلال القضاء على مسببات الانحرافات لتلك القيم.

إن تغليظ عقوبة التحرش وسد جميع ثغرات القانون التي من شأنها القيام بجعل المتحرش يفلت من العقاب هربا من فعلته أمر يدعو للاحترام خاصة إن أول من نادى به هو البرلمان كحق من حقوق الإنسان وواجب تشريعي تحتمه أمانة ترشيح هؤلاء النواب لدوائرهم
فهو ردع وحماية للفئات الأضعف وأهمها الأطفال، وتسليط الضوء على ضرورة تكريم السيدة “انجي” صاحبة اكتشاف الواقعة تزامنًا مع يوم المرأة العالمي،
يعد تكريمًا لكل امرأة تتخذ خطوات تجاه انهاء تفشي تلك الظاهرة المريضة من مجتمعنا المصري، لكن أيضًا لابد من تسليط الضوء على ماهية الدوافع الأصيلة بالجريمة للمتحرش والضحية
هل بالفعل هو شخص مريض نفسي أم أن المرض النفسي هو شماعة لجميع الجرائم الغريبة خاصة جرائم الشرف, ربما ما حدث ليس له علاقة بالمرض النفسي الذي من الممكن أن يجعله غير واعيًا بما يفعله ويفقد الفدرة في السيطرة على افعاله ،
أم هو شخصية غير سوية تعلم وتعي جيدًا ما تفعله كشخصية “عادل” زوج”فايزة” في فيلم 678 والتي عاشت معه سنوات عديدة تعاني من التحرش بها بالمواصلات العامة ،وتتكتم خوفًا من الفضيحة وينتهي بها الأمر لتفاجأ بأن زوجها عادل اصيب في حادثة تحرش أثناء دفاع الضحية عن نفسها بعد كشف أمر الليمونة،
فهل زوجة محمد جودت هي “فايزة” جديدة تضاف لسلسة ضحايا التحرش فزوجة جودت هي الآخرى ضحية لا تقل أهمية عن بائعة المناديل يكفيها الآن ما اصابها واولادها من الخزى والعار من فعلة زوجها.

إن المدان الأول بتلك الجريمة هو الفقر الدافع الأوحد لتواجد تلك الطفلة بالشارع مطمعًا لذئاب انطلقت بالشوارع لتصيد الفرائس، حيث استغلال الجاني للفقرأمر ليس بغريب،
فقد ذهبت الطفلة مقابل جنيهًا، أو شراء قطعة حلوى أبسط حقوق طفولتها، ومن أين يأتي العجب وهناك الآلاف من “جودت” ومثلهم من بائعة المناديل،
لابد من إعادة النظر فيما أنشئت من أجله الجمعيات الأهلية وتأتيها المنح لتنمية المجتمعات والعمل على قضايا بعينها كالتحرش بأشكاله والذي بدوره مؤديًا للعنف،
أوراق ترتب لصرف تلك المنح دون تغيير أوجدوى من تواجدها بمجتمعنا.

كما لابد من إعادة النظر في كل ما يعرض ويصب إلينا عبر الفضائيات من مسلسلات، لا تراعي جمهورها من الفئات العمرية المختلفة،
يستطيع مؤلفيها تقديم الوجبات الدسمة من تكريس الصور الذهنية عن البلطجة والمخدرات والجنس مقابل المال، واستباحة ذلك وكأنها سمات للمناطق الشعبية ومميزًا لها دون غيرها من المناطق،
فإن كان هؤلاء لهم قوة التأثير علينا، لذا فشرف كلمتهم واقلامهم ، لابد أن تقوم بدور المدافع لتغيير وعي وإدراك تجاه ما يقبله المجتمع وما ينبذه من جرائم تقع تحت وطأة الفقر والاستغلال.

باحثة مصرية بالعلوم الإنسانية

 

الوسوم

مسار 24

هناك حقيقة وراء الخبر

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق