مقال رئيس التحرير - اتجاه واحد

المُبعثِرة لا الجامعة

بقلم: عصام سلامة

المُبعثِرة لا الجامعة

بقلم: عصام سلامة

دأبت جامعة الدول العربية على التأكيد المستمر بأنها لم ولن تكون الأداة العروبية التي تدافع عن الحق العربي وتحقيق المصالح العربية، بل زاد الأمر عليها وصارت آثار خطواتها تحمل علامات الوحل النابت في سراديب الناتو، وعلى ملابسها أحمر شفاه أمريكي الصنع، يخرج منها دومًا رائحة نفط عربي مسلوب خليجيًا.

كثيرون هم من وضعوا أحلامهم رهن قرارات الجامعة العربية، فأذابت لهم أمانتها العامة ومجالسها الموقرة تلك الأحلام وبخرتها مع الرياح.

منذ أيام قليلة انتظر الشارع العربي اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي انعقد تحت مظلة الجامعة بمقرها الدائم في القاهرة، والذي عقد خصيصًا لمناقشة العدوان التركي على الأراضي السورية، وكانت الإشارات الصادرة من العواصم العربية تشير إلى إحتمالية إتخاذ قرار أو توصية بإعادة شغل المقعد السوري الشاغر منذ سنوات،

وأن تعود الدولة السورية إلى ممارسة دورها بالجامعة، وهو ما يعني عودة العلاقات الدبلوماسية الرسمية العربية السورية.

على الرغم من أن كلمات عدد من وزراء الخارجية العرب قد أكدت صراحة على أهمية التراجع عن قرار تجميد المقعد السوري بالجامعة، وقد تحدثت عن أهمية عودتها، إلا أن مشروع البيان الصادر من الإجتماع المنعقد قد خلى من الحديث عن الأمر، ولم يرتقى ببند واحد ليحقق تطلعات الجماهير العربية التي تابعت البث المباشر لوقائع الجلسة.

فقط أُخرجت حبكة درامية لتشغل الرأي العام العربي، وتنسيه طموحاته من ذلك الإجتماع، حيث خرجت قطر للتحفظ على مشروع البيان ومعها الصومال، فتحدث المواطن العربي المنساق بفعل الإعلام المعادي ووسائل التواصل الإجتماعي عن التأييد القطري للعدوان التركي،

وتغافل ذلك المواطن المنساق عن تأييد المجتمعون جميعًا للعدوان بالعجز عن استصدار قرار هو مطلب جماهيري، أو تأييدهم العدوان بوهم مشروع بيان عاقر لا يرجى منه الفعل، بل قد يوجب فيه الفعل.

الورقة الكردية

المثير للسخرية بأكثر من تجاهل مسودة البيان لكلمات وزراء الخارجية، هو أنه لا يوجد وزير واحد ممن تلو كلمة رنانة حماسية عروبية تتغنى في حب سورية، قد تقدم بطلب رسمي لإلغاء قرار تجميد المقعد السوري، بل اكتفى بكلمة قوية أمام شاشات البث المباشر،

والحديث هنا ليس دعوة لتخوينهم أو الإدعاء بتأديتهم أدوار تمثيلية، بل نتوقع أنه لم يعد مسموح لهم بالحديث هذا في الغرف المغلقة بسبب تصاعد روائح النفط المسلوب المثير لشهية البعض والمتسبب في ضيق نفس للبعض الأخر.

لماذا انعقد إجتماعهم إذن ؟!،
كي يقول البعض: “نحن معك يا سورية”، وهو مدرك كل الإدراك أن سورية ليست في حاجة إلى تلك الكلمات، وكي تستمر الجامعة في القول “ليس لي وجود عروبي”، وتشرعن لمجلس الأمن والأمم المتحدة وتلقى القرار بيدهم واضعة توقيعها على بياض.

إذن ألم تكن الجامعة تدافع عن الدولة السورية؟!، بالقطع لا.

هناك اليوم حالة من الخلاف فيما بين آل سعود والنظام التركي، كلاهما لديه نفس الأهداف، ولكنهما في منافسة على احتلال مركز الصدارة، يقدمان الخدمات للمشروع الإستعماري الصهيوني في المنطقة، لديهما أطماع في السيطرة سياسيًا أو جغرافيًا، يقدمان أنفسهما – وهمًا – باعتبارهما زعامة للعالم الإسلامي خاصة أهل السنة، كلاهما يقدم أطروحات علمانية في ذات الوقت لمغازلة الجميع.

المنتصر يفرض الشروط

في ظل حالة المنافسة تلك كانت الورقة الكردية تهديد للتركي بسبب الجغرافيا وأطروحات الدولة المزعومة التي تنظر الى أراضي تحت السلطة التركية، وهنا وجد آل سعود غايتهم، حليف مقرب من واشنطن معادي للتركي يقف في المواجهة مع الدولة السورية،  ونظر آل سعود إلى العدوان باعتباره عدوان من منافس ضد ورقتهم الكرديه، لا باعتباره عدوان من عدو ضد الدولة السورية.

غير أن الدولة السورية غيرت المعادلة وانضوى ذلك الفصيل الكردي -قسد- الذي راهن عليه آل سعود تحت لواء الدولة.

هذا يعني أن المقعد السوري سيظل شاغرًا؟!،
ونرد التساؤل بتساؤل أخر، من المتضرر، ومن في حاجة لمن ؟!حينما كانت سورية تشغل مقعدها تعرضت للمؤامرة فقررت الجامعة تجميد عضويتها، اليوم سورية انتصرت على الجميع رغم تخاذل وتآمر الجامعة، وصارت الدولة السورية هي من يسعى الجميع لاتخاذ صورة تذكارية بجوارها على منصة الإنتصار، والمنتصر هو من يقرر ويفرض الشروط، وعلى المهزوم الانصياع.

حينما سُئل أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية في المؤتمر الصحفي عقب الإجتماع الأخير، حول مسألة عودة سورية، قال بما يعني أن هناك التزامات على سورية أولا وأنه لا يمكن أن تقرر الجامعة برجوعها فتضع سورية شروط.

حقيقة الأمر أنه من حق سورية وضع كامل شروطها، وعلى الجامعة الإستجابة، بل والأكثر فأنه من حق سورية أن لا تفكر في العودة من الأساس إلى تلك الجامعة التي تأمرت عليها ولا تزال.

إن جامعة الدول العربية والتي تأسست في 22 مارس/آذار من العام الخامس والأربعون بالقرن الماضي، شهدت نكبات ونكسات العرب، ولم نر منها فعل منجز.

بعد أعوام بسيطة من التأسيس جاءت نكبة فلسطين بعام 1948، وحتى يومنا هذا لم تقدم الجامعة على خطوة واحدة لتحرير أرضنا المسلوبة.

مد عروبي

وهنا علينا التذكير بأن خروج الدعوة إلى تأسيس الجامعة قد تزامن مع مد عروبي وحراك شعبي يتوق لتكسير الحواجز التي صنعها الإستعمار بين أقطار الأمة، وتزامن كذلك مع تغيير في الخارطة الدولية، والتي شهدت انكسار القيادة البريطانية وتغيير الدفة الدولية إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي حملت فيما بعد المشروع الإستعماري.

وفي هذا التوقيت كان الإستعمار في تخوف مما رصدته أجهزته الإٍستخباراتيه عن مد تحرري يتوسع في أرض العرب قد يطيح بالسلطات الإستعمارية،

وهو الأمر الذي يهدد أطماعهم وقد يعيق مخططهم في صنع كيانهم الإستعماري والذي أطلقوه عليه اسم “إٍسرائيل”، فكان لزامًا لحماية المخططات الإستعمارية، صنع أداة لا تعاكس التيار العروبي، ولكنها تقيده وتمنع التلاحم الشعبي في ذات الوقت.

وكانت فكرة جامعة الدول العربية هي الأنسب، إسم عربي، ويوحي بالوحدة، لكنه في واقع الأمر تكريس للإقليمية التي نجح الإستعمار في صنع قياداتها ووضعهم على غالبية مقاعد الحكم التوارثي بالوطن العربي، فلا يخفى على أحد أن ميثاق الجامعة يؤكد بأنها كيان تنسيقي غير ملزم، يضم الحكومات العربية لا الشعوب.

أنتوني إيدن

إن جامعة الدول العربية التي دعا إليها وزير خارجية بريطانيا الإستعمارية “أنتوني إيدن” في 29 مايو/آيار 1941، وبعدها في

24 فبراير/شباط 1943، ثم تحرك لتنفيذها رئيس الوزراء المصري مصطفى النحاس الذي إعتلى رأس الحكومة المصرية عبر دبابات الإحتلال البريطاني، لم ولن تكون هي المؤسسة العروبية صوت الجماهير وآليتهم الفعيلة.

حتى تلك الإجتماعات للقمة العربية التي كانت تزلزل الأرض، ويقف الأعداء صامتين منتبهين لها، في ستينات القرن الماضي، لم تكن لأن الجامعة قوية، بل لأن الوطن العربي كانت به زعامات وحركة تحرر لم تستطع الجامعة الوقوف أمامها.

اليوم غيرت سورية الخارطة الإقليمية والدولية، وصارت قاعدة إنطلاق حركة التحرر والمقاومة العربية، وعلي القوى الوحدوية في الوطن العربي أن تسعى لتشكيل كيان وحدوي بحق، بعيدًا عن تلك الهيئة المبُعثٍرة لا الجامعة.

رئيس تحرير- مسار 24 

 

 

 

 

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق